فخر الدين الرازي

4

تفسير الرازي

( أرأيتك ) أغنى عن تكراره ( والوجه الثالث ) أن يكون هذا مفعول أرأيت لان الكاف جاءت لمجرد الخطاب لا محل لها ، كأنه قال على وجه التعجب والانكار أبصرت أو علمت هذا الذي كرمت على ، بمعنى لو أبصرته أو علمته لكان يجب أن لا تكرمه على ، هذا هو حقيقة هذه الكلمة . ثم قال تعالى حكاية ( عنه ) ( لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا ) وفيه مباحث : ( البحث الأول ) قرأ ابن كثير ( لئن أخرتني إلي يوم القيامة ) باثبات الياء في الوصل والوقف ، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بالحذف ونافع وأبو عمرو باثباته في الوصل دون الوقف . ( البحث الثاني ) في الاحتناك قولان ( أحدهما ) أنه عبارة عن الاخذ بالكلية ، يقال : احتنك فلان ما عند فلان من مال إذا استقصاه وأخذه بالكلية ، واحتنك الجراد الزرع إذا أكله بالكلية ( والثاني ) أنه من قول العرب حنك الدابة يحنكها ، إذا جعل في حنكها الأسفل حبلا يقودها به ، وقال أبو مسلم : الاحتناك افتعال من الحنك كأنهم يملكهم كما يملك الفارس فرس بلجامه ، فعلى القول الأول معنى الآية لأستأصلنهم بالاغواء . وعلى القول الثاني لأقودنهم إلى المعاصي كما تقاد الدابة بحبلها . ( البحث الثالث ) قوله ( إلا قليلا ) هم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ) فان قيل كيف ظن إبليس هذا الظن الصادق بذرية آدم ؟ قلنا فيه وجوه ( الأول ) أنه سمع الملائكة يقولون ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ) فعرف هذه الأحوال ( الثاني ) أنه وسوس إلى آدم فلم يجد له عزما ( 1 ) فقال الظاهر أن أولاده يكونون مثله في ضعف العزم ( الثالث ) أنه عرف أنه مركب من قوة بهيمية شهوانية ، وقوة سبعية غضبية ، وقوة وهمية شيطانية ، وقوة عقلية ملكية ، وعرف أن القوى الثلاث أعنى الشهوانية والغضبية والوهمية تكون هي المستولية في أول الخلقة ، ثم إن القوة العقلية إنما تكمل في آخر الامر ، ومتى كان الامر كذلك كان ما ذكره إبليس لازما ، واعلم أنه تعالى لما حكى عن إبليس ذلك حكى عن نفسه أنه تعالى قال له اذهب ، وهذا ليس من الذهاب الذي هو نقيض المجئ وإنما معناه امض لشأنك الذي اخترته ، والمقصود التخلية وتفويض الامر إليه . ثم قال ( فمن تبعك منهم فان جهنم جزاؤكم جزاء موفورا ) ونظيره قول موسى عليه الصلاة

--> ( 1 ) هذا الوجه يتعارض مع نص الآية الكريمة وهي قول الله تعالى لملائكة المقربين ( فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة ) سورة الحجر . فالآية تنص على أن الامر بالسجود والسجود كان قيل الوسوسة ولو أن الوسوسة كانت قبل السجود ، لترتب عليه أن يكون الملائكة كلهم أجمعون قد سجدوا لآدم بعد المعصية وهو أمر لا يليق ولا يتصور فانتفى هذا الوجه .